أبو حامد الغزالي

28

تهافت الفلاسفة

أما « السير وليام هاملتون » فقد كان واضحا جد الوضوح في أنه أوقف العقل نفس الموقف الحرج الذي أوقفه إياه الغزالي ، وأنه أذهب عنه الحرج بنفس الوسيلة التي لاحت للغزالي ، يقول : « الصدق الحقيقي هو مطابقة أفكارنا للوجودات التي تكوّن موضوعاتها . لكن هنا صعوبة تنشأ . كيف نعرف أنه يوجد - أنه يمكن أن يكون - مثل هذا الانطباق ؟ أن كل ما نستطيع أن نعرفه عن الموضوعات ، يأتينا عن طريق قوانا ومداركنا ، لكنا لا نستطيع أن نتأكد من أن قوانا ومداركنا يمكنها أن تتصور هذه الموضوعات كما هي في نفسها ؛ لأن تأكدنا من كفاية قوانا ومداركنا لتصور الموضوعات ، يتطلب أن نتخلى عن كياننا - أن نتخلى عن قوانا ومداركنا - وأن نحصل على معرفة بهذه الموضوعات عن طريق القوى والمدارك أخرى ، وأن نقارن المعرفة القديمة التي حصلنا عليها عن طريق القوى والمدارك الأولى ، بالمعرفة الجديدة التي حصلنا عليها عن طريق القوى والمدارك الثانية ، لكن - حتى لو صح أن ذلك الفرض ممكن - فإنه سيكون عاجزا عن أن يقدم لنا اليقين المطلوب . إذ على فرض أنه من الممكن أن نخلع قوانا ومداركنا القديمة ، وأن نحصل على أخرى جديدة ، نختبر بها القديمة ، فإن صدق القوى والمدارك الجديدة ، لا يزال عرضة لنفس الشك الذي تعرضت له القوى والمدارك القديمة ؟ إذ ما هو الضمان الذي يجعل الحالة الجديدة أوثق من الحال القديمة ؟ إن القوى والمدارك الجديدة يمكن أن تؤكد صدق نفسها فقط ، لكن القوى والمدارك القديمة قد أكدت أيضا صدق نفسها . ومن المستحيل أن نتخيل إدراكا من الإدراكات التي تحدث لكائن من الكائنات ذات الذكاء المحدود ، يسمو عن أن يشك في أنه ذاتي - غير موضوعي - ابتدعه الكائن المدرك نفسه . كل ما يمكن - إذن - أن يقال في الرد على مثل هذا الشك ، هو أنه لو صح مثل هذا الشك لكانت الطبيعة الإنسانية طبيعة مزيفة ، وهو أمر لا ينبغي